علي محمد علي دخيل

588

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ أي وخلقنا لهم من مثل سفينة نوح سفنا يركبون فيها كما ركب نوح ، يعني السفن التي عملت بعد سفينة نوح مثلها ، على صورتها ، عن ابن عبّاس وغيره ، وقيل : إن المراد به الإبل ، وهي سفن البر ، عن مجاهد ، وقيل : مثل السفينة من الدواب ، كالإبل والبقر والحمير ، عن الجبائي . وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ أي وإن نشأ إذا حملناهم في السفن نغرقهم بتهييج الرياح والأمواج فَلا صَرِيخَ لَهُمْ أي لا مغيث لهم وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ أي ولا يخلصون من الغرق إذا أردناه إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعاً إِلى حِينٍ أي إلا أن نرحمهم بأن نخلصهم في الحال من أهوال البحر ، ونمتعهم إلى وقت ما قدرناه لتقضى آجالهم وقيل معناه : بقيناهم نعمة منا عليهم وامتاعا إلى مدة وَإِذا قِيلَ لَهُمُ أي للمشركين اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ من أمر الآخرة فاعملوا لها وَما خَلْفَكُمْ من أمر الدنيا فاحذروها ولا تغتروا بها لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أي لتكونوا على رجاء الرحمة من اللّه تعالى ، عن ابن عباس وقيل معناه : اتّقوا ما مضى من الذنوب وما يأتي من الذنوب ، عن مجاهد أي اتّقوا عذاب اللّه بالتوبة للماضي ، والاجتناب للمستقبل وقيل : اتّقوا العذاب المنزل على الأمم الماضية ، وما خلفكم من عذاب الآخرة . عن قتادة وروى الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال معناه : اتّقوا ما بين أيديكم من الذنوب ، وما خلفكم من العقوبة وجواب إذا محذوف تقديره : إذا قيل لهم هذا اعرضوا ، ويدلّ على هذا المحذوف قوله وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ أي أعرضوا عن الداعي وعن التفكر في الحجج وفي المعجزات ومن في قوله : من آية هي التي تزاد في النفي للاستغراق ، ومن الثانية للتبعيض ، أي ليس تأتيهم أية آية كانت إلا ذهبوا عنها واعرضوا عن النظر فيها ، وذلك سبيل من ضلّ عن الهدى ، وخسر الدنيا والآخرة وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أيضا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ في طاعة ، واخرجوا ما أوجب اللّه عليكم في أموالكم قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَ نُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ احتجّوا في منع الحقوق بأن قالوا : كيف نطعم من يقدر اللّه على اطعامه ولو شاء اللّه اطعامه أطعمه ؟ فإذا لم يطعم دلّ على أنه لم يشأ اطعامه ، وذهب عليهم أن اللّه سبحانه إنما تعبدهم بذلك لما لهم فيه من المصلحة ، فأمر الغني بالإنفاق على الفقير ليكسب به الأجر والثواب إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ هذا من قول الكفار لمن أمرهم بالاطعام عن قتادة وقيل : انه من قول اللّه تعالى لهم حين ردّوا هذا بالجواب ، عن عليّ بن عيسى وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ الذي تعدنا به من نزول العذاب بنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في ذلك أنت وأصحابك . وهذا استهزاء منهم بخبر النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم وخبر المؤمنين . فقال تعالى في جوابهم ما يَنْظُرُونَ أي ما ينتظرون إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً يريد النفخة الأولى عن ابن عباس ، يعني ان القيامة تأتيهم بغتة تَأْخُذُهُمْ الصيحة وَهُمْ يَخِصِّمُونَ أي يختصمون في أمورهم ، ويتبايعون في الأسواق . وفي الحديث : تقوم الساعة والرجلان قد نشرا ثوبهما يتبايعانه فما يطويانه حتى تقوم ، والرجل يرفع أكلته إلى فيه فما تصل إلى فيه حتى تقوم ، وقيل : وهم يختصمون هل ينزل بهم العذاب أم لا فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً يعني ان الساعة إذا أخذتهم بغتة لم يقدروا على الإيصاء بشيء وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ أي ولا إلى منازلهم يرجعون من الأسواق ، وهذا اخبار عما يلقونه في النفخة الأولى عند قيام الساعة . 51 - 60 - وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ وهي القبور إِلى رَبِّهِمْ أي إلى الموضع الذي يحكم اللّه فيه لا حكم لغيره هناك يَنْسِلُونَ أي يخرجون سراعا فلما رأوا